 اسم أبي حمزة محمد بن ميمون , و هو ثقة فاضل محتج به في " الصحيحين "  
كما في " التقريب " , لكن فيه كلام يسير , فقال النسائي :
" لا بأس به إلا أنه كان قد فقد بصره في آخر عمره , فمن كتب عنه قبل ذلك فحديثه  
جيد " .
و ذكره ابن القطان الفاسي فيمن اختلط كما في " التهذيب " , و قال أبو حاتم : 
" لا يحتج به " كما في " الميزان " .
قلت : فمثله يحتج به إن شاء الله تعالى إذا لم يخالف , و أما مع المخالفة فلا ,  
فإذ قد خالف في هذا الحديث فزاد في السند ابن عباس و وصله خلافا للثقات الآخرين  
الذين أرسلوه , دل ذلك على وهمه كما جزم به الدارقطني , و أشار إليه الترمذي ,  
و أن الصواب في الحديث أنه مرسل , فهو على ذلك ضعيف لا يحتج به .
و قد روي عن أبي حمزة على وجه آخر , رواه البيهقي من طريق عبدان عنه عن محمد بن  
عبيد الله عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا . و قال :
" و محمد هذا هو العرزمي , متروك الحديث . و قد روي بإسناد آخر ضعيف عن ابن  
عباس موصولا " .
ثم ساقه باللفظ الآتي عقب هذا , و قد أخرجه ابن عدي في " الكامل " ( ق 281/2 )  
عن أبي حمزة عن العرزمي به , و قال :
" لا أعلم رواه عن محمد بن عبيد الله غير أبي حمزة . و قوله : " و الشفعة في كل  
شيء " منكر . و محمد بن عبيد الله العرزمي عامة رواياته غير محفوظة " .
قلت : و مما يؤيد نكارة هذا الحديث عن ابن عباس أن الطحاوي روى ( 2/269 ) من  
طريق معن بن عيسى عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس قال :
" لا شفعة في الحيوان " .
احتج به الطحاوي على أن قوله في حديث الباب : " الشفعة في كل شيء " , ليس على  
عمومه يشمل الحيوان و غيره . قال :
" و إنما معناه الشفعة في الدور و العقار و الأرضين , و الدليل على ذلك ما قد  
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما , حدثنا أحمد بن داود قال : حدثنا يعقوب قال :  
حدثنا معن بن عيسى ... " .
قلت : و إسناد هذا الموقوف جيد , رجاله كلهم ثقات معروفون , غير أحمد بن داود  
هذا و هو ابن موسى الدوسي أبو عبد الله وثقه ابن يونس كما في " كشف الأستار "  
عن " المغاني " .
و الحديث قال الحافظ في " الفتح " ( 4/345 ) :
" رواه البيهقي , و رجاله ثقات , إلا أنه أعل بالإرسال , و أخرج له الطحاوي  
شاهدا من حديث جابر بإسناد لا بأس برواته " .
و نقله هكذا الشوكاني في " نيل الأوطار " ( 5/283 ) و لكنه - كما هي عادته - لم  
يعزه إلى الحافظ ! و كذلك صنع صديق خان في " الروضة الندية " ( 2/127 ) إلا أنه  
وقع عنده بلفظ " بإسناد لا بأس به " . بدل " لا بأس برواته " و شتان ما بين  
العبارتين , فإن الأولى نص في تقوية الإسناد , بخلاف الأخرى , فإنها نص في  
تقوية رواته , و لا تلازم بين الأمرين , كما لا يخفى على الخبير بعلم مصطلح  
الحديث , و ذلك لأن للحديث , أو الإسناد الصحيح شروطا أربعة : عدالة الرواة 
و ضبطهم , و اتصاله , و سلامته من شذوذ أو علة , فإذا قال المحدث في سند ما : "  
رجاله لا بأس بهم " أو ثقات " أو " رجال الصحيح " , و نحو ذلك , فهو نص في تحقق  
الشرط الأول فيه , و أما الشروط الأخرى فمسكوت عنها , و إنما يفعل ذلك بعض  
المحدثين في الغالب لعدم علمه بتوفر هذه الشروط الأخرى فيه , أو لعلمه بتخلف  
أحدها , مثل السلامة من الانقطاع أو التدليس أو نحو ذلك من العلل المانعة من  
إطلاق القول بصحته <1> , و هذا هو حال إسناد هذا الشاهد , فإن فيه علة لا تسمح  
بتصحيحه مع كون رجاله ثقاتا , فإنه عند الطحاوي ( 2/369 ) من طريق يوسف بن عدي  
قال : حدثنا ابن إدريس عن ابن جريج عن عطاء عن جابر قال :
" قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شيء " . فأول علة تبدو  
للناظر لأول وهلة في هذا السند هو عنعنة ابن جريج , فإنه كان يدلس بشهادة غير  
واحد من الأئمة المتقدمين و المتأخرين , بل قال الدارقطني : " تجنب تدليس ابن  
جريج فإنه قبيح التدليس , لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح , مثل إبراهيم بن أبي  
يحيى و موسى بن عبيدة و غيرهما " و وصفه بالتدليس الذهبي و العسقلاني و غيرهما  
. على أنه يمكن للباحث في طرق هذا الحديث أن يكشف عن علة أخرى في هذا السند , 
و ذلك أن جماعة من الثقات الأثبات رووه عن عبد الله بن إدريس عن ابن جريج عن  
أبي الزبير عن جابر به , بلفظ :
" قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شرك لم يقسم , ربعة أو حائط  
, لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه , فن شاء أخذ , و إن شاء ترك , فإن باع فلم  
يؤذنه فهو أحق به " .
أخرجه مسلم ( 5/57 ) و النسائي ( 2/234 ) و الدارمي ( 2/273 - 274 ) و الطحاوي  
( 2/265 ) و ابن الجارود ( رقم 642 ) و الدارقطني ( 520 ) و البيهقي ( 6/101 )  
كلهم عن الجماعة به .
و قد صرح ابن جريج بالسماع من أبي الزبير , و هذا من جابر في رواية الطحاوي , 
و هو رواية لمسلم . فهذا هو المحفوظ عن ابن إدريس عن ابن جريج , إنما هو عن أبي  
الزبير ليس عن عطاء .
و قد تابعه إسماعيل بن إبراهيم - و هو ابن علية - عن ابن جريج به .
أخرجه النسائي ( 2/229 ) و صرح عنده ابن جريج بالتحديث و أحمد ( 3/316 ) و عنه  
أبو داود ( 2/256 ) و البيهقي .
و من الملاحظ في هذا اللفظ أن طرفه الأول موافق تماما لرواية يوسف بن عدي عن  
ابن جريج المتقدمة ; إلا في حرف واحد و هو قوله : " في كل شرك " , فإن لفظه في  
الرواية المشار إليها " في كل شيء " , فأخشى أن يكون تصحف على بعض رواتها . 
و يؤيده تمام الحديث في الرواية المحفوظة " لم يقسم ... " فإنه يدل على أن  
الحديث ليس فيه هذا العموم الذي أفادته تلك الرواية , بل يدل على أنه خاص بغير  
المنقول من دار أو بستان أو أرض , قال الحافظ في " الفتح " ( 4/345 ) :
" و قد تضمن هذا الحديث ثبوت الشفعة في المشاع , و صدره يشعر بثبوتها في  
المنقولات , و سياقه يشعر باختصاصها بالعقار , و بما فيه العقار " .
فثبت مما تقدم أن هذا الشاهد عن جابر لا يصلح شاهدا لحديث ابن عباس لثبوت خطأ  
الراوي في قوله : " شيء " بدل : " شرك " , فهو شاذ , و مقابله هو المحفوظ .
على أنه يمكن أن يقال : لو سلمنا جدلا بأن هذا اللفظ محفوظ , فإن مما لا شك فيه  
أنه مختصر من الرواية المحفوظة كما تقدم , فلابد أن يضم إليه تمام الحديث الذي  
رواه الثقات , و عند ذلك يتبين أن عموم هذا اللفظ ليس بمراد , و أن اختصار  
الحديث من الراوي اختصار مخل بالمعنى .
و يؤيد ذلك أن الحديث ورد من طريق أخرى عن جابر بهذا التمام , فقال أحمد : 
( 3/296 ) :
حدثنا عبد الرزاق : أنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن  
عبد الله قال :
إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل مال لم يقسم , فإذا وقعت  
الحدود و صرفت الطرق فلا شفعة .
و من طريق أحمد أخرجه أبو داود ( 2/256 ) و عنه البيهقي ( 6/102 - 103 ) ثم  
أخرجه هذا من طريق أخرى عن عبد الرزاق به , إلا أنه قال : " كل ما لم يقسم " .  
و هكذا وقع عند أبي داود من طريق أحمد , و يرجح هذا أن البخاري أخرجه من طريق  
عبد الواحد بن زياد عن معمر به , لكن وقع في مكان آخر عند البخاري من هذا الوجه
( 4/323 ) بلفظ : " كل مال " مثل رواية أحمد , إلا أن كلام الحافظ في شرحه يشعر  
بأن اللفظ إنما هو باللفظ الذي قبله " كل ما لم يقسم " فالظاهر أن خلافه خطأ  
على عبد الواحد من بعض الرواة أو النساخ , نعم أخرجه البخاري من طريق أخرى عن  
عبد الرزاق بلفظ أحمد , " كل مال " و رج