 بن الحارث .
و الآخر : أن العلماء أعلوا الحديث بابن كثير , و ابن حبان ذكره في ترجمته من  
كتابه " الضعفاء " فقال ( 2/181 - 182 ) :
" العلاء بن كثير مولى بني أمية , من أهل الشام , يروي عن مكحول و عمرو بن شعيب  
, روى عنه أهل الشام و مصر , و كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات , لا يحل  
الاحتجاج بما روى و إن وافق فيها الثقات , و من أصحابنا من زعم أنه العلاء بن  
الحارث , و ليس كذلك لأن العلاء بن الحارث حضرمي من اليمن , و هذا من موالي بني  
أمية , و ذاك صدوق , و هذا ليس بشيء في الحديث , و هو الذي روى عن مكحول عن أبي  
أمامة .. " .
قلت : فذكر الحديث بأتم منه .
ثم ساق إسناده هو و ابن عدي في " الكامل " ( ق 99/1 ) و الدارقطني في " سننه "  
( ص 80 ) و عنه ابن الجوزي في " الأحاديث الواهية " ( 1/384 ) و البيهقي (  
1/326 ) من طرق عن حسان بن إبراهيم الكرماني قال : نا عبد الملك قال : سمعت  
العلاء قال : سمعت مكحولا به مطولا و لفظه :
" أقل ما يكون الحيض للجارية البكر و الثيب التي أيست من المحيض ثلاثا , و أكثر  
ما يكون الحيض عشرة أيام , فإذا زاد الدم أكثر من عشرة فهي مستحاضة , يعني ما  
زاد على أيام أقرائها , و دم الحيض لا يكون إلا دما أسود عبيطا يعلوه حمرة , 
و دم المستحاضة رقيق تعلوه صفرة , فإن كثر عليها في الصلاة فلتحتش كرسفا , فإن  
غلبها في الصلاة فلا تقطع الصلاة و إن قطر , و يأتيها زوجها , و تصوم " .
و قال الدارقطني و تبعه البيهقي و ابن الجوزي :
" عبد الملك هذا مجهول , و العلاء هو ابن كثير ضعيف الحديث , و مكحول لم يسمع  
من أبي أمامة شيئا " .
و أما ابن عدي فأعله بالكرماني , فإنه أورده في ترجمته فيما أنكر عليه و قال :
" و هو عندي من أهل الصدق , إلا أنه يغلط في الشيء , و ليس ممن يظن به أنه  
يتعمد في باب الرواية إسنادا و متنا , و إنما هو وهم منه , و هو عندي لا بأس به  
" .
و قال الحافظ في " التقريب " :
" صدوق يخطىء " .
قلت : فالعلة - والله أعلم - ممن فوقه , إما عبد الملك شيخه , و هو مجهول , 
و إما العلاء بن كثير المتهم , و هو ليس عليه بكثير .
و قد ابتلي بهذا الحديث بعض متعصبة الحنفية من المتقدمين و المتأخرين , منهم  
ابن التركماني فقد حاول أو على الأقل أوهم أنه صحيح ! فقال في " الجوهر النقي "  
متعقبا على البيهقي قوله المتقدم : " و العلاء هو ابن كثير ضعيف الحديث " :
" قلت : لم ينسب العلاء في هذه الرواية , و قول الدارقطني : هو ابن كثير يعارضه  
أن الطبراني روى هذا الحديث , و فيه العلاء بن حارث , و قال أبو حاتم : ثقة لا  
أعلم أحدا من أصحاب مكحول أوثق منه .. " إلخ .
قلت : و هذه المعارضة لا قيمة لها البتة , و ذلك بين مما شرحته آنفا لولا  
التعصب المذهبي الأعمى , الذي يحاول قلب الحقائق العلمية لتتفق مع الأهواء  
المذهبية دائما , و لكن لا بأس من تلخيص ذلك من وجوه :
الأول : أن الطبراني له إسنادان إلى العلاء , في أحدهما التصريح بأنه ابن كثير  
الواهي , و في الآخر أنه ابن الحارث الثقة , فإطلاق العزو للطبراني بهذا لا  
يخفى على اللبيب ما فيه من الإيهام المخالف للواقع !
الثاني : أن إسناده إلى ابن الحارث ضعيف , بخلاف إسناده إلى ابن كثير ; فإنه  
صحيح على ما سبق بيانه .
الثالث : أن أئمة الجرح و التعديل بينوا أنه ابن كثير ; الواهي , فلا قيمة لرأي  
مخالفهم من المتأخرين , و بخاصة إذا كان الحامل له على ذلك التعصب المذهبي .
الرابع : هب أنه ابن الحارث الثقة , و لكنه كان قد اختلط كما تقدم عن الحافظ ,  
فمثله لا يحتج به إلا إذا عرف أنه حدث به قبل الاختلاط , و هيهات .
الخامس : افترض أنه عرف ذلك أو أن اختلاطه يسير لا يضر فما فائدة ذلك و الراوي  
عنه عبد الملك مجهول , كما تقدم عن الدارقطني و غيره , و ابن التركماني مقر به  
و إلا لعلق عليه , فحرصه على ترجيح أنه ابن الحارث حرص ضائع .
و منهم الشيخ علي القارىء , فإنه نقل في " الأسرار المرفوعة " عن ابن قيم  
الجوزية قوله في " المنار " ( ص 122/275 - حلب ) :
" و كذلك تقدير أقل الحيض بثلاثة أيام و أكثره بعشرة , ليس فيها شيء صحيح , بل  
كله باطل " .
فتعقبه الشيخ القاريء بقوله ( 481 - بيروت ) :
" قلت : و له طرق متعددة , رواه الدارقطني و ابن عدي و ابن الجوزي , و تعدد  
الطرق و لو ضعفت , يرقي الحديث إلى الحسن , فالحكم بالوضع عليه لا يستحسن " .
قلت : و قد سبقه إلى هذه الدعوى ابن الهمام في " فتح القدير " ( 1/143 ) ثم  
العيني في " البناية شرح الهداية " ( 1/618 ) و زاد ضغثا على إبالة قوله :
" على أن بعض طرقها صحيحة " !
ثم قلدهم في ذلك الكوثري الحلبي في تعليقه على " المنار " , فإنه قال بعد أن  
نقل كلام الشيخ علي المتقدم :
" و قد ذكر العلامة القاري تلك الطرق المشار إليها في كتابه " فتح باب العناية  
بشرح كتاب النقاية " ( 1 : 202 - 203 ) الذي حققته و طبع بحلب سنة ( 1387 ) ,  
فانظره " .
و لو أنه أراد خدمة السنة و الإنصاف للعلم لأحال في ذلك على كتاب " نصب الراية  
" لأنه أشهر عند أهل العلم , و لأن مؤلفه الزيلعي أقعد بهذا الفن و أعرف به من  
كل من ذكرناهم من الحنفية , فإنه بحث هذه الأحاديث بحثا حرا , و نقدها نقدا  
حديثيا مجردا عن العصبية المذهبية , خلافا لهؤلاء الذين جاؤوا من بعده , فإنهم  
لا يلتزمون القواعد الحديثية , فانظر إليهم كيف يقولون :
" و تعدد الطرق و لو ضعفت يرقي الحديث إلى الحسن " .
فإنهم يعلمون أن هذا ليس على إطلاقه , بل ذلك مقيد بأن لا يشتد ضعفه كما هو  
مذكور في " مصطلح الحديث " <1> , و هذا الشرط غير متوفر في هذا الحديث , لأن  
مدار طرقه كلها على كذابين و متروكين و مجهولين لا تقوم بهم حجة , و هاك بيانها  
:
1 - حديث معاذ , يرويه أسد بن سعيد البجلي عن محمد بن الحسن { الصدفي } عن  
عبادة بن نسي , عن عبد الرحمن بن غنم عنه مرفوعا بلفظ :
" لا حيض أقل من ثلاث , و لا فوق عشر " .
أخرجه العقيلي في " الضعفاء " ( 375 ) و قال :
" محمد بن الحسن ليس بمشهور بالنقل , و حديثه غير محفوظ " .
و قال ابن حزم في " المحلى " ( 2/197 ) :
" و هو مجهول , فهو موضوع بلا شك " .
و أقول : لا أستبعد أن يكون محمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة , فقد  
أخرجه ابن عدي في " الكامل " ( ق 291/2 ) من طريق أخرى عن محمد بن سعيد الشامي  
قال : حدثني عبد الرحمن بن غنم به . فأسقط من الإسناد عبادة بن نسي , و لعل هذا  
من أكاذيبه , فإنه كذاب وضاع معروف بذلك , و قد قال فيه سفيان الثوري :
" كذاب " .
و قال عمرو بن علي :
" يحدث بأحاديث موضوعة " .
و قال ابن عدي بعد أن روى هذا و غيره من أقوال الأئمة في تجريحه و ساق له  
أحاديث مما ( أخذ ) عليه :
" و له غير ما ذكرت , و عامة ما يرويه لا يتابع عليه " .
و لا يقال : إن محمد بن الحسن الصفدي غير محمد بن سعيد الشامي ; فإنه قد قيل  
فيه : بأنهم قد قلبوا اسمه على مائة وجه ليخفى . و الراوي عنه أسد بن سعيد  
البجلي غير معروف , و من المحتمل أنه الذي في " اللسان " :
" أسد بن سعيد أبو إسماعيل الكوفي , قال ابن القطان :
" لا يعرف " .
فيمكن أن يكون هو الذي قلب اسم هذا الكذاب .
2 - حديث أنس , يرويه الحسن بن دينار عن معاوية بن قرة عنه مرفوعا بلفظ :
" الحيض ثلاثة أيام و أربعة و خمسة و ستة و سبعة و ثمانية و تسعة و عشرة , فإذا  
جاوز العشرة فمستحاضة " .
