  
كان يعني جملة حديثه كما هو ظاهر عبارته , فهو جرح غير مقبول من مثله , لأنه  
مما لم يسبق إليه من أحد من الأئمة المتقدمين , و لأنه جرح مبهم غير مفسر , و  
ما كان كذلك فلا يعتد به , كما هو مقرر في " المصطلح " , و إن كان يعني بذلك  
حديثه هذا , فهو كما قال , فإذن الرجل في نفسه ثقة , و الأصل في مثله أن يحتج  
بحديثه , إلا ما ثبت وهمه فيه فيرد , و من الثابت أنه وهم في هذا الحديث , فقد  
رواه عمر بن شبة عن إسحاق الأزرق موقوفا كما سبق , و عمر بن شبة ثقة مثل  
الكرابيسي أو خير منه , فقد صرح جماعة من الأئمة بتوثيقه كالدارقطني و الخطيب 
و غيرهما و لم يتكلم فيه أحد بسوء , و تترجح روايته على رواية الكرابيسي  
بمتابعة سعدان بن نصر إياه , و اسمه سعيد و الغالب عليه سعدان , قال أبو حاتم :  
صدوق , و وثقه الدارقطني , و أخرج متابعته هذه في " السنن " ( ص 24 ) .
و إن مما يؤيد أن رفعه وهم , و أنه ليس من عبد الملك أنه رواه عبد السلام بن  
حرب عند الطحاوي ( 1/13 ) و أسباط بن محمد عند الدارقطني كلاهما عن عبد الملك  
عن عطاء عن أبي هريرة موقوفا , و قال الدارقطني :
هذا موقوف , و لم يروه هكذا غير عبد الملك عن عطاء , و عبد السلام بن حرب 
و أسباط بن محمد ثقتان حجتان , فإذا انضم إليهما إسحاق الأزرق و هو ثقة أيضا ,  
من رواية عمر بن شبة و سعدان عنه تبين بوضوح أن المحفوظ في هذه الطريق الوقف ,  
و أن رفعه من الكرابيسي عن الأزرق وهم منه عليه , فلا تغتر بعد هذا البيان بقول  
أحد المتأخرين في كتابه " معارف السنن " ( 1/325 ) :
و بالجملة هذا المرفوع صحيح أو حسن , فإن ذلك منه جري على ظاهر حال رجال إسناده  
و هو كونهم ثقاتا , دون اكتراث منه إلى ضرورة توفر بقية شروط الحديث الصحيح فيه  
التي منها أن لا يشذ و لا يعل ! و ما يحمله على ذلك إلا الانتصار للمذهب , و لو  
على حساب الحديث الصحيح ! نسأل الله السلامة , ثم وقفت على عجيبة أخرى من  
التعصب , فإن المؤلف المشار إليه بعد تلك الكلمة أحال فيما سماه بـ " البحث  
الشافي " إلى مصادر لبعض الحنفية المتعصبة , منها " البحر الرائق " لابن نجيم  
المصري , فلما رجعت إليه فإذا به يخالف المؤلف المشار إليه فيما ذهب إليه من  
التصحيح , فإنه سلم بضعف هذا الحديث المرفوع , و لكن قواه بالحديث الموقوف !! 
و تفصيل هذه العجيبة أنه قال ما معناه :
روي عن أبي هريرة فعلا و قولا , مرفوعا و موقوفا من طريقين : الأولى طريق  
الدارقطني الموقوفة , و الأخرى المرفوعة هذه .
و وجهها أن ما سماه بالطريقين مدارهما على عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن  
أبي هريرة , فهي طريق واحدة , و إنما بعض الرواة وهم على عبد الملك فرفعه كما  
سبق تحقيقه , فالطريق إذا واحدة و بناء على هذا التقسيم الخيالي قال ابن نجيم :
و من المعلوم أن الحكم بالضعف و الصحة إنما هو في الظاهر , أما في نفس الأمر  
فيجوز صحة ما حكم بضعفه ظاهرا , و ثبوت كون مذهب أبي هريرة ذلك ; قرينة تفيد أن  
هذا مما أجاده الراوي المضعف , و حينئذ يعارض حديث السبع يعني المتفق على صحته  
! و يقدم عليه !
قلت : و لا يخفى بطلان هذا الكلام على ذي إنصاف و علم , و أما المتعصب الهالك  
في تعصبه فلا تفيده الأدلة و لو أتيته بك آية ! و بيان ما ذكرت من البطلان من  
وجوه : يأتي ذكرها فيما بعد لأني أريد أن أتابع الكلام على الخطأين الآخرين  
فأقول : و أما الموضع الثاني , و هو أن عبد الملك رواه عن عطاء عن أبي هريرة  
موقوفا بلفظ " ثلاث " , فقد خالفه حماد بن زيد عن أيوب عن محمد و هو ابن سيرين  
عن أبي هريرة قال في الكلب يلغ في الإناء ; قال : يهراق و يغسل سبع مرات .
أخرجه الدارقطني ( ص 24 ) و قال :
صحيح موقوف .
و علقه البيهقي ( 1/242 ) عن حماد , ثم قال : و في ذلك دلالة على خطأ رواية عبد  
الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة في الثلاث , و عبد الملك لا يقبل منه  
ما يخالف فيه الثقات .
و قال الحافظ في " الفتح " ( 1/222 ) .
و رواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من  
حيث الإسناد , و من حيث النظر , أما النظر فظاهر , و أما الإسناد , فالموافقة  
وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه , و هذا من أصح الأسانيد ,  
و أما المخالفة فمن رواية عبد الملك ... و هو دون الأول في القوة بكثير .
قلت : و لعله مما يؤيد أرجحية رواية حماد بن زيد عن أيوب أنه قد رواه هشام بن  
حسان عن محمد بن سيرين مثله .
أخرجه الطحاوي في " مشكل الآثار " ( 3/268 ) و سنده صحيح , و لا يخالفه أنه  
أخرجه أيضا من طريق معتمر بن سليمان قال : سمعت أيوب يحدث عن محمد عن أبي هريرة  
مرفوعا به .
لأن الراوي قد يرفع الحديث تارة و يوقفه أخرى فهو صحيح مرفوعا و موقوفا .
و أما الموضع الثالث : فقد ثبت في حديث هشام بن حسان المتقدم ذكر التراب بلفظ :
" طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب " .
و هذا أولى من حديث عبد الملك عن عطاء لوجوه :
الأول : أن إسناده أصح من إسناد عبد الملك كما سبق في كلام الحافظ .
الثاني : أنه قد جاء مرفوعا من طريق هشام به .
أخرجه مسلم و أبو عوانة في " صحيحيهما " و غيرهما كما بينته في " صحيح أبي داود  
" ( رقم 64 ) .
و جاء ذكر التراب مع التسبيع من طريقين آخرين عن أبي هريرة .
أخرجهما الدارقطني و قال في أحدهما : هذا صحيح , و هو كما قال .
و له طريق رابعة عند البزار ذكرتها في المصدر السابق .
الثالث : أن له شاهدا من حديث عبد الله بن مغفل مرفوعا بلفظ :
" إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات , و عفروه الثامنة في التراب " .
و هو حديث صحيح , أخرجه مسلم و أبو عوانة في " صحيحيهما " و ابن الجارود في 
" المنتقى " ( رقم 53 ) و غيرهم , و قال ابن منده :
إسناد مجمع على صحته , انظر " صحيح أبي داود " ( رقم 67 ) .
و أما التسبيع وحده فله طرق كثيرة جدا عن أبي هريرة تكاد تكون متواترة , فقد  
أخرج مسلم و أبو عوانة أربعا منها , و سبق أربع أخرى في التتريب فهي ثمان ,  
فإذا انضم إليها حديث عبد الله بن عمر عند ابن ماجه ( 1/149 ) بسند صحيح , 
و حديث عبد الله بن مغفل المذكور آنفا , فالمجموع عشر طرق عن ثلاثة من الأصحاب  
, فهل يبقى بعد هذا البيان أدنى شك لدى أي منصف في كون حديث أبي هريرة في  
التثليث شاذا , بل منكرا كما وصفه ابن عدي , بل باطلا كما هو ظاهر ? ! 
و خلاصة القول : إن الذي روي عن أبي هريرة مرفوعا و موقوفا من التثليث مع ترك  
ذكر التتريب لا يصح من قبل إسناده , بل هو باطل لمخالفته ما ثبت عنه يقينا  
مرفوعا من التسبيع و التتريب , مع ثبوت ذلك عنه موقوفا , فهو الذي يجب الاعتماد  
عليه في هذه المسألة لا سيما و قد شهد له حديث عبد الله بن مغفل و حديث 
عبد الله بن عمر , و إن من عجائب الحنفية أيضا أنهم استجازوا معارضة كل هذه  
الطرق عن أبي هريرة , و الشواهد المذكورة بطريق عبد الملك بن أبي سليمان عن  
عطاء عن أبي هريرة و هي وحيدة استجازوا ذلك إحسانا منهم للظن به رضي الله عنه ,  
و هو غير ثابت عنه ! , و غفلوا عن أن ذلك يستلزم إساءة الظن به بالنظر إلى  
الروايات الثابتة عنه بالتسبيع , و بمن وافقه من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين  
!!
*----------------------