الإمام  
النووي الذي انتصر في مقدمة شرحه على " مسلم " لرأي الإمام البخاري , قد تبنى  
مذهب الإمام مسلم في بعض كتبه في " المصطلح " , فقال في بيان الإسناد المعنعن  
في كتابه " التقريب " : " .. و هو فلان عن فلان , قيل : إنه مرسل . و الصحيح  
الذي عليه العمل , و قاله الجماهير من أصحاب الحديث و الفقه و الأصول أنه متصل  
بشرط أن لا يكون المعنعن مدلسا , و بشرط إمكان لقاء بعضهم بعضا , و في اشتراط  
ثبوت اللقاء , و طول الصحبة و معرفته بالرواية عنه خلاف .. " . و نحوه في كتابه  
" إرشاد طلاب الحقائق " ( 1 / 185 - 189 ) . 1 - و هذا الذي صححه النووي في  
كتابيه المذكورين , هو الذي تبناه جمع من الحفاظ و المؤلفين في الأصول و  
المصطلح , فمنهم : الطيبي في كتابه " الخلاصة في أصول الحديث " ( ص 47 ) , و  
العلائي في " التحصيل " ( ص 210 ) . 2 - و الذهبي في رسالته اللطيفة المفيدة :  
" الموقظة " , فإنه و إن كان ذكر فيها القولين : اللقاء و المعاصرة , فإنه أقر  
مسلما على رده على مخالفه , هذا من جهة . و من جهة أخرى فقد أشار في ترجمته في  
" سير النبلاء " ( 12 / 573 ) إلى صواب مذهبه و قوته , في الوقت الذي صرح بأن  
مذهب البخاري أقوى , فهذا شيء , و كونه شرط صحة شيء آخر كما هو ظاهر بأدنى نظر  
. 3 - و الحافظ ابن كثير في " اختصار علوم الحديث " . 4 - و ابن الملقن في "  
المقنع في علم الحديث " ( 1 / 148 ) و في رسالته اللطيفة " التذكرة " ( 16 / 11  
) . 5 - و الحافظ ابن حجر , فإنه رجح شرط البخاري على نحو ما تقدم عن الذهبي ,  
فإنه سلم بصحة مذهب مسلم , فقال في " النكت على ابن الصلاح " ( 1 / 289 ) مدللا  
على الترجيح : " لأنا و إن سلمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال , فلا يخفى أن  
شرط البخاري أوضح في الاتصال " . و كذا قال في " مقدمة فتح الباري " ( ص 12 ) و  
نحوه في رسالته " نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر " ( ص 171 / 61 - بنكت الأخ  
الحلبي عليه ) . قلت : و كونه أوضح مما لا شك فيه , و كذلك كونه أقوى , كما نص  
على ذلك الإمام الذهبي كما تقدم , فهو كسائر الصفات التي تميز بها " صحيح  
البخاري " على " صحيح مسلم " كما هو مسلم به عند جمهور العلماء , فهو شرط كمال  
و ليس شرط صحة عندهم . 6 - الإمام الصنعاني , فإنه ناقش الحافظ ابن حجر فيما  
استدل به لشرط البخاري في بحوث ثلاثة ذكرها في كتابه " توضيح الأفكار " , و  
ألزمه القول بصحة مذهب مسلم , و إن كان شرط البخاري أقوى . و قد كنت ألزمته  
بذلك في تعليق لي موجز , كنت علقته على " نزهته " , نقله عني الأخ الحلبي في "  
النكت عليه " ( ص 88 ) , فليراجعه من شاء . و لقوة الإلزام المذكور , فقد  
التزمه الحافظ رحمه الله كما تقدم نقله عنه آنفا , و الحمد لله . ثم قال  
الصنعاني رحمه الله تعالى ( 1 / 234 ) : " و إذا عرفت هذا فمذهب مسلم لا يخلو  
عن القوة لمن أنصف , و قد قال أبو محمد بن حزم في " كتاب " الإحكام " : <1> 
7 - اعلم أن العدل إذا روى عمن أدركه من العدول فهو على اللقاء و السماع سواء  
قال : " أخبرنا " أو " حدثنا " , أو " عن فلان " أو " قال فلان " , فكل ذلك  
محمول على السماع منه . انتهى . قلت : و لا يخفى أنا قد قدمنا عنه خلاف هذا في  
حديث ( المعازف ) فتذكره " . هذا و إن مما يسترعي الانتباه و يلفت النظر - أن  
المذكورين من الحفاظ و العلماء جروا فيما كتبوا في " علم المصطلح " على نحو مما  
جرى عليه سلفهم في التأليف , أعني به ابن الصلاح في " مقدمته " , و قلما  
يخالفونه , و إنما هم ما بين مختصر و ملخص و مقيد و شارح , كما يعلم ذلك الدارس  
لمؤلفاتهم فيه , و هذه المسألة مما خالفوه فيها , فإن عبارة النووي المتقدمة في  
الاكتفاء بالمعاصرة و إمكانية اللقاء هي منه تعديل لعبارة ابن الصلاح المصرحة  
بشرطية ثبوت اللقاء , و على هذا التعديل جرى المذكورون آنفا , و أكدوا ذلك  
علميا في تصحيحهم للأحاديث المروية بأسانيد لا يمكن التحقق من ثبوت التلاقي بين  
الرواة في كل الطبقات , هذا يكاد يكون مستحيلا , يعرف ذلك من مارس فن التخريج ,  
و لم يكن من أهل الأهواء , و ها هو المثال بين يديك , فهذا الحديث من رواية  
سالم بن أبي الجعد عن سبرة رضي الله عنه , فقد صححه من تقدم ذكرهم , و منهم  
الحافظ العراقي الذي أقر في شرحه على " المقدمة " ابن الصلاح على شرطية اللقاء  
, و لم أجد له قولا يوافق الذين اكتفوا بالمعاصرة , و مع ذلك فقد وافقهم عمليا  
حين صحح إسناد هذا الحديث , فإن سالما هذا لم نر من صرح بلقائه لسبرة , و لكنه  
مقطوع بتابعيته و معاصرته للصحابة , بل و روايته عن جمع منهم , و نصوا أنه لم  
سمع من بعضهم , و ليس منهم ( سبرة ) , هذا , و مع ذلك فقد تشبث مضعف الأحاديث  
الصحيحة , و مخرب كتب الأئمة بالتعليق عليها - بشرطية اللقاء , فقال في تعليقه  
على كتاب ابن القيم " إغاثة اللهفان " ( 1 / 134 ) : " إسناده ضعيف , فإن سالما  
لم يرو عن سبرة غير هذا الحديث , و لم يصرح بالسماع منه , و هو معروف بالإرسال  
عن جمع من الصحابة , فلا يثبت له الحديث إلا إذا صرح بالسماع منه .. " ! فيقال  
له : أثبت العرش ثم انقش ! فإن الشرط المذكور ليس لك عليه دليل إلا التقليد , و  
أنت تتظاهر بأنك لا تقلد , و هذا أمر واجب لو كنت من أهل العلم بالكتاب و السنة  
, و أصول الحديث و الفقه , و لا نرى أثرا لذلك في كل ما تكتب , إلا التحويش دون  
أي تحقيق أو تفتيش , و لذلك فالواجب عليك إنما هو الاتباع , فهو خير لك بلا شك  
من التخريب و التضعيف لمئات الأحاديث الصحيحة عند العلماء , و قد تبلغ الألوف  
إذا مضيت في مخالفتك لـ *( سبيل المؤمنين )* . و أنا على مثل اليقين أن الرجل  
صاحب هوى و غرض - الله أعلم به - دلنا على ذلك أسلوبه في تخريج الأحاديث , فإنه  
ينشط جدا , و يتوسع ما وسعه التوسع في التضعيف المذكور , و يتتبع الأقوال  
المرجوحة التي تساعده على ذلك , مع التمويه على القراء بإعراضه عن ذكر الأقوال  
المعارضة له , و بالإحالة إلى بعض البحوث التي تخالف قوله !! و أما إذا كان  
الحديث قويا , و لا يجد سبيلا إلى تضعيفه و نسفه , انقلب ذلك النشاط إلى فتور و  
خمول , و اختصر الكلام عليه في بيان مرتبته اختصارا مخلا دون بيان السبب ,  
كقوله مثلا ( 1 / 130 ) : " حديث حسن إن شاء الله " ! ثم يسود خمسة أسطر في  
تخريجه دون فائدة تذكر , موهما قراءه بأنه بحاثة محقق ! مع أنهم لا يدرون ما  
مقصوده من تعليق التحسين بالمشيئة الإلهية , أهو للتشكيك أم التحقيق ?! و الأول  
هو اللائق بالمضعف للصحيحة ! و له أحاديث أخرى من هذا النوع ( ص 220 و 292 و  
294 ) و انظر ( ص 183 و 212 و 224 و 272 و 277 و 297 ) ثم إن قوله عن سالم بن  
أبي الجعد أنه أرسل عن جمع من الصحابة , فهو لا يفيد انقطاعا هنا , لأنهم نصوا  
على أنه لم يدركهم , أو لم يسمع منهم , و ليس سالم منهم , و حينئذ وجب حمله على  
الاتصال على مذهب الجمهور , و هو الراجح كما سبق تحقيقه . و مثال ثان لما ذكرت  
آنفا , كان الإمام مسلم قد ضربه مثلا في أنواع أخرى لما نحن فيه , و احتج بها  
أهل العلم و صححوها , حديثان من رواية ربعي بن حراش عن عمران , أحدهما في إسلام  
حصين والد عمران , و فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له قبل أن يسلم و بعد  
أن أسلم : " قل : اللهم قني شر نفسي , و اعزم لي على أرشد أمري " . 