 .
ثم ساق هذا الحديث , ثم قال :
و الذين قالوا : إن هذه الأمور تفطر , لم يكن معهم حجة عن النبي صلى الله عليه  
وسلم و إنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس , و أقوى ما احتجوا به قوله 
صلى الله عليه وسلم : " و بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما , قالوا : فدل  
ذلك على أن ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله , و على القياس : كل  
ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة و غيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام و الغذاء  
أو غيره من حشو جوفه , و الذين استثنوا الكحل قالوا : العين ليست كالقبل 
و الدبر , و لكن هي تشرب الكحل كما يشرب الجسم الدهن و الماء , ثم قال :
و إذا كان عمدتهم هذه الأقيسة و نحوها لم يجز إفساد الصوم بمثل هذه الأقيسة  
لوجوه :
أحدها : أن القياس و إن كان حجة إذا اعتبرت شروط صحته , فقد قلنا في " الأصول "  
: إن الأحكام الشرعية بينتها النصوص أيضا , و إن دل القياس الصحيح على مثل ما  
دل عليه النص دلالة خفية , فإذا علمنا أن الرسول لم يحرم الشيء و لم يوجبه ,  
علمنا أنه ليس بحرام و لا واجب , و أن القياس المثبت لوجوبه و تحريمه فاسد . 
و نحن نعلم أنه ليس في الكتاب و السنة ما يدل على الإفطار بهذه الأشياء فعلمنا  
أنها ليست مفطرة .
الثاني : أن الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لابد أن يبينها الرسول 
صلى الله عليه وسلم بيانا عاما , و لابد أن تنقلها الأمة , فإذا انتفى هذا ,  
علم أن هذا ليس من دينه , و هذا كما يعلم أنه لم يفرض صيام شهر غير رمضان , 
و لا حج بيت غير البيت الحرام , و لا صلاة مكتوبة غير الخمس , و لم يوجب الغسل  
في مباشرة المرأة بلا إنزال , و لا أوجب الوضوء من الفزع العظيم , و إن كان في  
مظنته خروج الخارج , و لا سن الركعتين بعد الطواف بين الصفا و المروة , كما سن  
الركعتين بعد الطواف بالبيت .
و بهذه الطرق يعلم أيضا أنه لم يوجب الوضوء من لمس النساء , و لا من النجاسات  
الخارجة من غير السبيلين , فإنه لم ينقل أحد عنه صلى الله عليه وسلم بإسناد  
يثبت مثله أنه أمر بذلك , مع العلم بأن الناس كانوا و لا يزالون يحتجمون 
و يتقيؤون ? و يجرحون في الجهاد و غير ذلك , و قد قطع عرق بعض أصحابه ليخرج منه  
الدم و هو الفصاد , و لم ينقل عنه مسلم أنه أمر أصحابه بالتوضؤ من ذلك " ( قال  
) :
" فإذا كانت الأحكام التي تعم بها البلوى , لابد أن يبينها الرسول صلى الله  
عليه وسلم بيانا عاما , و لابد أن تنقل الأمة ذلك , فمعلوم أن الكحل و نحوه مما  
تعم به البلوى , كما تعم بالدهن و الاغتسال و البخور و الطيب . فلو كان هذا مما  
يفطر لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بين الإفطار بغيره . فلما لم يبين ذلك  
, علم أنه من جنس الطيب و البخور و الدهن . و البخور قد يتصاعد إلى الأنف 
و يدخل في الدماغ , و ينعقد أجساما , و الدهن يشربه البدن و يدخل إلى داخله ,
و يتقوى به الإنسان , و كذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة , فلما لم ينه الصائم عن  
ذلك , دل على جواز تطيبه و تبخره و ادهانه , و كذلك اكتحاله .
الوجه الثالث : إثبات التفطير بالقياس يحتاج إلى أن يكون القياس صحيحا و ذلك  
إما قياس على بابه الجامع , و إما بإلغاء الفارق , و إما أن يدل دليل على العلة  
في الأصل معد لها إلى الفرع , و إما أن يعلم أن لا فارق بينهما من الأوصاف  
المعتبرة في الشرع , و هذا القياس هنا منتف . و ذلك أنه ليس في الأدلة ما يقتضي  
أن المفطر الذي جعله الله و رسوله مفطرا هو ما كان واصلا إلى دماغ أو بدن أو ما  
كان داخلا من منفذ أو واصلا إلى الجوف , و نحو ذلك من المعاني التي يجعلها  
أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند الله و رسوله .
الوجه الرابع : إن القياس إنما يصح إذا لم يدل كلام الشارع على علة الحكم إذا  
سبرنا أوصاف الأصل , فلم يكن فيها ما يصلح للعلة إلا الوصف المعين , ( قال ) :  
فإذا كان في الأصل وصفان مناسبان لم يجز أن يقول بالحكم بهذا دون هذا , و معلوم  
أن النص و الإجماع أثبتا الفطر بالأكل و الشرب و الجماع و الحيض , و النبي 
صلى الله عليه وسلم قد نهى المتوضئ عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان صائما , و  
قياسهم على الاستنشاق أقوى حججهم كما تقدم , و هو قياس ضعيف لأن من نشق الماء  
بمنخريه ينزل الماء إلى حلقه , و إلى جوفه , فحصل له بذلك ما يحصل للشارب بفم ,  
و يغذي بدنه من ذلك الماء , و يزول العطش , و يطبخ الطعام في معدته كما يحصل  
بشرب الماء فلو لم يرد النص بذلك , لعلم بالعقل أن هذا من جنس الشرب , فإنهما  
لا يفترقان إلا في دخول الماء من الفم , و ذلك غير معتبر , بل دخول الماء إلى  
الفم وحده لا يفطر , فليس هو مفطرا و لا جزءا من المفطر لعدم تأثيره , بل هو  
طريق إلى الفطر و ليس كذلك الكحل و الحقنة , فإن الكحل لا يغذي ألبتة , و لا  
يدخل  أحدا كحلا إلى جوفه لا من أنفه و لا من فمه , و كذلك الحقنة لا تغذي , بل  
تستفرغ ما في البدن , كما لو شم شيئا من المسهلات , أو فزع فزعا أوجب استطلاق  
جوفه , و هي لا تصل إلى المعدة .
فإذا كانت هذه المعاني و غيرها موجودة في الأصل الثابت بالنص و الإجماع ,  
فدعواهم أن الشارع علق الحكم بما ذكروه من الأوصاف , معارض بهذه الأوصاف ,
و المعارضة تبطل كل نوع من الأقيسة , إن لم يتبين أن الوصف الذي ادعوه هو العلة  
دون هذا .
الوجه الخامس : أنه ثبت بالنص و الإجماع منع الصائم من الأكل و الشرب و الجماع  
, و قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الشيطان يجري من ابن  
آدم مجرى الدم " <1> . و لا ريب أن الدم يتولد من الطعام و الشراب . و إذا أكل  
و شرب اتسعت مجاري الشياطين , و إذا ضاقت انبعثت القلوب إلى فعل الخيرات , 
و إلى ترك المنكرات , فهذه المناسبة ظاهرة في منع الصائم من الأكل و الشرب , 
و الحكم ثابت على وقفه , و كلام الشارع قد دل على اعتبار هذا الوصف و تأثيره ,  
و هذا منتف في الحقنة و الكحل و غير ذلك .
فإن قيل : بل الكحل قد ينزل إلى الجوف و يستحيل دما ? 
قيل : هذا كما قد يقال في البخار الذي يصعد من الأنف إلى الدماغ فيستحيل دما ,  
و كالدهن الذي يشربه الجسم . و الممنوع منه إنما هو ما يصل إلى المعدة فيستحيل  
دما و يتوزع على البدن .
الوجه السادس : و نجعل هذا وجها سادسا ( الأصل خامسا ) فنقيس الكحل و الحقنة 
و نحو ذلك على البخور و الدهن و نحو ذلك , لجامع ما يشتركان فيه , مع أن ذلك  
ليس مما يتغذى به البدن و يستحيل في المعدة دما . و هذا الوصف هو الذي أوجب أن  
لا تكون هذه الأمور مفطرة . و هذا موجود في محل النزاع " .
هذا كله من كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مع شيء من الاختصار , آثرت نقله على  
ما فيه من بسط و تطويل , لما فيه من الفوائد و التحقيقات التي لا توجد عند غيره  
, فجزاه الله خيرا .
و منه يتبين أن الصواب أن الكحل لا يفطر الصائم , فهو بالنسبة إليه كالسواك  
يجوز أن يتعاطاه في أي وقت شاء , خلافا لما دل عليه هذا الحديث الضعيف الذي كان  
سببا مباشرا لصرف كثير من الناس عن الأخذ بالصواب الذي دل عليه التحقيق العلمي  
, و لذلك عنيت ببيان حال إسناده , و مخالفته للفقه الصحيح , والله الموفق .
و مما سبق يمكننا أن نأخذ حكم ما كثر السؤال عنه في هذا العصر , 