 عن  
خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت ... (‎قلت : فذكره , ثم قال : )‎قال أبي :  
فلم أزل أقفو أثر هذا الحديث , حتى كتبت بمصر عن .... جعفر بن ربيعة عن عراك بن  
مالك عن عروة عن عائشة موقوف , و هذا أشبه " . قلت : و لا يشك حديثي أن ترجيح  
هؤلاء الأئمة الثلاثة وقف الحديث هو الصواب , ذلك لأن الذي أوقفه إنما هو جعفر  
بن عراك , و هو ثقة اتفاقا , و قد احتج به الشيخان , بينما الذي خالفه و هو  
خالد بن أبي الصلت لم يوثقه أحد من الأئمة المعروفين و الموثوق بتوثيقهم , و لو  
سلمنا .‎لا أن توثيق ابن حبان المتقدم مما يعتد به فهل من المعقول أن ترجح  
رواية من وثقه هو وحده .... آخرون على رواية من وثقه الجماعة من الأئمة , و  
احتج به الشيخان ?‎!‏و إذا تبين لك ما ذكرنا تعرف سقوط تعقب البوصيري للإمام  
البخاري بقوله في " الزوائد " (‎ق 25 / 1 ) :‎" و هذا الذي علل به البخاري ليس  
بقادح , فالإسناد الأول حسن <1> , رجاله ثقات معرفون , و قد أخطأ من زعم أن  
خالد بن أبي الصلت مجهول , و أقوى ما أعل به هذا الخبر أن عراكا لم يسمع من  
عائشة , نقلوه عن الإمام أحمد , و قد ثبت سماعه منها عند مسلم " . قلت : و  
الجواب على هذا من وجوه : الأول : أن المخالفة التي أعل البخاري الحديث بها لم  
يجب عنها البوصيري بشيء عنها أصلا , إلا مجرد الدعوى "‎ليس بقادح " ! مع أنه  
ساق كلامه للرد عليه , فانصرف عنه إلى الرد على غيره ! و ذلك دليل على ضعف رده  
و سلامة الحجة عند المردود عليه !‏الثاني : أن رجال الإسناد كلهم ثقات رجال  
مسلم غير ابن أبي الصلت فإن كان ثقة فلماذا اقتصر البوصيري على تحسين الإسناد و  
لم يصححه ? ! أليس في هذا وحده ما يدل على أن في ابن أبي الصلت شيئا يمنع حتى  
الموثقين له من تصحيح حديثه !‏فما هو هذا الشيء ?‎ليس هو إلا عدم الاطمئنان  
لتوثيق ابن حبان , و إن تظاهروا بالاعتداد بتوثيقه ! الثالث : جزمه بخطإ من جهل  
ابن أبي الصلت مردود عليه بما سبق بيانه في العلة (‎الثالثة ) , فأغنى عن  
الإعادة .‎الرابع : دعواه أن الانقطاع الذي ذكره هو أقوى ما أعل به الحديث ,  
ليس مسلما عندي , بل الأقوى هو المخالفة التي لم يستطع الإجابة عنها , ثم  
الجهالة .‎الخامس : أن رده للانقطاع بقوله : " ثبت سماعه منه عند مسلم " , خطأ  
مبني على خطأ , و ذلك أنه ليس عند مسلم ما زعمه من سماع عراك من عائشة , و ما  
علمت أحدا سبقه إلى هذا الزعم , و إنما ذكر الشيخ ابن دقيق العيد أن مسلما أخرج  
في " صحيحه " حديث عراك عن عائشة : " جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها ... "  
الحديث <2> , نقله الزيلعي في " نصب الراية " ( 2 / 107 ) , و ليس فيه السماع  
المدعى كما ترى .‎السادس :‎أنه لو فرضنا أن عراكا سمع من عائشة بعض الأحاديث ,  
فلا يلزم من ذلك أنه سمع منها كل حديث يروى من طريقه عنها , لاحتمال عدم ثبوت  
السند بذلك عنه ,‎كما هو الشأن في هذا الحديث , و هذه علة أخرى فيه و هي :  
الخامسة : الانقطاع بين عراك و عائشة , و الدليل على ذلك مجموع أمرين : 1 - أن  
أكثر الروايات التي سبق ذكرها لم يقع فيها تصريح عراك بالسماع من عائشة , و  
إنما وقع في رواية علي بن عاصم و هو ضعيف الحفظ كما سبق , و قول الشيخ أحمد  
شاكر في تعليقه على " المحلى " ( 1 / 197 ) و قد تابعه على ذلك حماد بن سلمة  
فارتفعت شبهة الغلط " , ليس مسلما ,‎لأن هذه المتابعة مشكوك في ثبوتها , فإن كل  
ما رواه عن حماد لم يصرح بالسماع سوى موسى و هو التبوذكي ,‎و أما الثقات  
الآخرون فرووه معنعنا ,‎و هم وكيع ابن الجراح و بهز بن أسد و يحيى ابن إسحاق و  
أسد بن موسى و يزيد بن هارون  في رواية عنه , و عبد العزيز بن المغيرة , كلهم  
قالوا : " عن عائشة " و روايتهم أرجح من رواية الفرد و لو كان ثقة , مع أنه  
يمكن أن تكون المخالفة ليست منه بل من حماد نفسه , لما سبق ذكره من أنه كان  
يخطىء أحيانا , فكان في الغالب يرويه معنعنا , فحفظ ذلك منه الجماعة , و نادرا  
يرويه بالسماع فحفظ ذلك منه موسى ,‎و هذا اضطراب من حماد نفسه ,‎كما كان يضطرب  
في إسناده على ما سبق بيانه .‎و مما يرجح رواية العنعنة , رواية جماعة آخرين  
لها مثل أبي عوانة و يحيى بن مطر و القاسم بن مطيب و عبد الوهاب الثقفي و وهيب  
عن خالد الحذاء على خلاف بينهم و بين الجماعة الأولى كلهم أجمعوا على روايته  
بالعنعنة .‎فهؤلاء عشرة أشخاص و زيادة رووه بالعنعنة فلا يشك كل من وقف عليها  
أنها هي الصواب , و أن رواية السماع منكرة أو شاذة , و قد صرح بهذا الإمام أحمد  
فقال إبراهيم بن الحارث : " أنكر أحمد قول من قال : عن عراك سمعت عائشة , و قال  
: عراك من أين سمع من عائشة " . و قال أبو طالب عن أحمد : " إنما هو عراك عن  
عروة عن عائشة , و لم يسمع عراك منها " و ذكر ابن أبي حاتم في " المراسيل " (‎ص  
103 - 104 - طبع بغداد )‎بعد أن ساق الحديث أن الإمام أحمد قال : " مرسل , عراك  
بن مالك من أين سمع عن عائشة , إنما يروي عن عروة , هذا خطأ , ثم قال : من يروي  
هذا ? قلت : حماد بن سلمة عن خالد الحذاء , فقال :‎قال غير واحد : عن خالد  
الحذاء ليس فيه سمعت و قال غير واحد أيضا عن حماد بن سلمة ليس فيه سمعت " . فقد  
أشار الإمام أحمد رحمه الله إلى أن ذكر السماع غير محفوظ عن حماد من جهة , و لا  
عن خالد الحذاء من جهة أخرى , و ذلك ما فصلناه آنفا . و لو أن الذين خالفوا  
الإمام أحمد و رجحوا رواية السماع تأملوا في كلامه ثم تتبعوا الروايات التي  
ذكرناها لما أقدموا إن شاء الله على مخالفته , لأن الحجة الواضحة معه , و لكنه  
رحمه الله اكتفى بالإشارة إليها و قد فصلناه لك تفصيلا لا يدع مجالا للشك في  
خطإ المخالفين , و قال موسى بن هارون : "‎لا نعلم لعراك سماعا من عائشة " . و  
ليس من السهل في نظر الباحث المحقق تخطئة هذين الإمامين , كما فعل المعلق على "  
المحلى " , و من قبله البوصيري بمجرد ذكر السماع في بعض الروايات مع شذوذها ,  
ثم هي كلها مدارها على خالد بن أبي الصلت الذي لا دليل عندنا على ثقته و ضبطه  
كما سبق , و ما يدرينا و لعل هذا الاختلاف عنه في السماع و العنعنة إنما هو منه  
, و ذلك دليل على تردده و عدم حفظه , و يؤيد هذا ما يأتي : ,‎و هو : الأمر  
الثاني : أن جعفر بن ربيعة قد خالف خالد بن أبي الصلت , فأدخل بين عراك و عائشة  
عروة , كما تقدم و هو أرجح من وجهين : أولا : أن جعفر بن أبي ربيعة أوثق من ابن  
أبي الصلت كما تقدم بيانه . ثانيا : أن روايته موافقة لبعض الروايات عن خالد و  
هي رواية يزيد بن هارون عن حماد ابن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت  
عن عراك عن عروة بن الزبير عنها . أخرجه الطحاوي كما تقدم ,‎فهذا يؤكد وهم ابن  
أبي الصلت أو بعض من دونه في ذكر السماع من عراك لعائشة .‎و قد خالف جعفر خالدا  
في موضع آخر من السند و هو أنه أوقفه و لم يذكر فيه رسول الله صلى الله عليه  
وسلم , و قد سبق بيان ذلك في العلة ( الرابعة ) .‎العلة السادسة : النكارة . و  
قد بقي الكلام على العلة الأخيرة و هي السادسة , و هي النكارة في المتن , و  
بيان ذلك في ما يأتي : من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نهى أصحابه  
عن استقبال القبلة و استدبارها ببول أو غا