 إلى نصف الساق , فقال  
له في ذلك , فقال : إني أريد أن أطيل غرتي , إني سمعت رسول الله صلى الله عليه  
وسلم يقول : إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء , و لا يأتي أحد  
من الأمم كذلك .
أخرجه الطحاوي ( 1/24 ) و رجاله ثقات , غير أن ابن لهيعة سييء الحفظ , و لكن لا  
بأس به في المتابعات و الشواهد .
ثم أخرجه أحمد ( 2/334 و 523 ) من طريق فليح بن سليمان عن نعيم بن عبد الله به  
بلفظ : أنه رقى إلى أبي هريرة على ظهر المسجد , فوجده يتوضأ , فرفع في عضديه ,  
ثم أقبل علي فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : فذكره بلفظ :  
" إن أمتي يوم القيامة هم الغر المحجلون ... " إلا أنه زاد : فقال نعيم : لا 
أدري قوله : " من استطاع أن يطيل غرته فليفعل " من قول رسول الله صلى الله عليه  
وسلم أو من قول أبي هريرة !
قلت : و فليح بن سليمان و إن احتج به الشيخان ففيه ضعف من قبل حفظه , فإن كان  
قد حفظه , فقد دلنا على أن هذه الجملة في آخر الحديث : " من استطاع ... " قد شك  
نعيم في كونها من قوله صلى الله عليه وسلم , و قد قال الحافظ في " الفتح " 
( 1/190 ) :
و لم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة و هم عشرة , و  
لا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه , والله أعلم .
قلت : و قد فات الحافظ رواية ليث عن كعب عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله 
صلى الله عليه وسلم , فذكره بهذه الجملة .
أخرجه أحمد ( 2/362 ) , لكن ليث و هو ابن أبي سليم ضعيف لاختلاطه , و قد حكم  
غير واحد من الحفاظ على هذه الجملة أنها مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة ,  
فقال الحافظ المنذري في " الترغيب " ( 1/92 ) :
و قد قيل : إن قوله : من استطاع إلى آخره , إنما هو مدرج من كلام أبي هريرة  
موقوف عليه , ذكره غير واحد من الحفاظ , والله أعلم .
قلت : و ممن ذهب إلى أنها مدرجة من العلماء المحققين شيخ الإسلام ابن تيمية 
و تلميذه ابن القيم , فقال هذا في " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح " ( 1/316 )  
: فهذه الزيادة مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة لا من كلام النبي صلى الله  
عليه وسلم , بين ذلك غير واحد من الحفاظ , و كان شيخنا يقول : هذه اللفظة لا  
يمكن أن تكون من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم , فإن الغرة لا تكون في  
اليد , لا تكون إلا في الوجه , و إطالته غير ممكنة , إذ تدخل في الرأس فلا تسمى  
تلك غرة .
قلت : و كلام الحافظ المتقدم يشعر بأنه يرى كونها مدرجة , و ممن صرح بذلك  
تلميذه إبراهيم الناجي في نقده لكتاب " الترغيب " , المسمى بـ " العجالة  
المتيسرة " ( ص 30 ) , و هو الظاهر مما ذكره الحافظ من الطرق , و من المعنى  
الذي سبق في كلام ابن تيمية .
و من الطرق المشار إليها ما روى يحيى بن أيوب البجلي عن أبي زرعة قال :
دخلت على أبي هريرة و هو يتوضأ إلى منكبيه , و إلى ركبتيه , فقلت له : ألا  
تكتفي بما فرض الله عليك من هذا ? قال : بلى , و لكني سمعت رسول الله صلى الله  
عليه وسلم يقول : مبلغ الحلية مبلغ الوضوء , فأحببت أن يزيدني في حليتي .
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 1/40 ) و علقه أبو عوانة في " صحيحه " 
( 1/243 ) , و إسناده جيد , و له طريق أخرى عند مسلم و غيره عن أبي حازم قال :
كنت خلف أبي هريرة و هو يتوضأ للصلاة , فكان يمد يده حتى يبلغ إبطه , فقلت له :  
يا أبا هريرة ما هذا الوضوء ? فقال : يا بني فروخ ! أنتم ههنا ? لو علمت أنكم  
ههنا ما توضأت هذا الوضوء , سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : تبلغ الحلية  
من المؤمن حيث يبلغ الوضوء .
قلت : فليس هذه الطريق تلك الجملة " فمن استطاع ... " و لو كانت في حديث النبي  
صلى الله عليه وسلم لأوردها أبو هريرة محتجا بها على أبي زرعة و أبي حازم  
اللذين أظهرا له ارتيابهما من مد يده إلى إبطه , و لما كان به حاجة إلى أن يلجأ  
إلى الاستنباط الذي قد يخطيء و قد يصيب , ثم هو لو كان صوابا لم يكن في الإقناع  
في قوة النص كما هو ظاهر , فإن قيل : فقد احتج أبو هريرة رضي الله عنه بالنص في  
بعض الطرق المتقدمة و ذلك قوله عقب الوضوء : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه  
وسلم يتوضأ .
و الجواب : أن هذه الطريق ليس فيها ذكر الإبط , و غاية ما فيها أنه أشرع في  
العضد و الساق , و هذا من إسباغ الوضوء المشروع , و ليس زيادة على وضوئه 
صلى الله عليه وسلم , بخلاف الغسل إلى الإبط و المنكب , فإن من المقطوع به أنه  
زيادة على وضوئه صلى الله عليه وسلم لعدم ورود ذلك عنه في حديث مرفوع , بل روي  
من طرق عن غير واحد من الصحابة ما يشهد لما في هذه الطريق , أحسنها إسنادا حديث  
عثمان رضي الله عنه قال : هلموا أتوضأ لكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم  
فغسل وجهه و يديه إلى المرفقين حتى مس أطراف العضد . الحديث , رواه الدارقطني (  
31 ) بسند قال الصنعاني في " السب " ( 1/60 ) : حسن , و هو كما قال لولا عنعنة  
محمد بن إسحاق , فإنه مدلس .
على أن قوله في تلك الطريق : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ  
أخشى أن تكون شاذة لأنه تفرد بها عمارة بن غزية دون من اتبعه على أصل الحديث عن  
نعيم المجمر , و دون كل من تابع نعيما عليه عن أبي هريرة , والله أعلم .
و من التحقيق السابق يتبين للقراء أن قول الحافظ في " الفتح " ( 1/190 - 191 )  
عقب إعلاله لتلك الزيادة بالإدراج , و بعد أن ذكر رواية عمرو بن الحارث  
المتقدمة و رواية عمارة بن غزية أيضا :
و اختلف العلماء في القدر المستحب من التطويل في التحجيل , فقيل : إلى المنكب و  
الركبة , و قد ثبت عن أبي هريرة رواية و رأيا , و عن ابن عمر من فعله أخرجه ابن  
أبي شيبة و أبو عبيد بإسناد حسن .
فأقول : قد تبين من تحقيقنا السابق أن ذلك لم يثبت عن أبي هريرة رواية , و إنما  
رأيا , والذي ثبت عنه رواية , فإنما هو الإشراع في العضد و الساق , كما سبق  
بيانه , فتنبه و لا تقلد الحافظ في قوله هذا كما فعل الصنعاني ( 1/60 ) , بعد  
أن جاءك البيان .
ثم إن قوله في أثر ابن عمر المذكور : ... " بإسناد حسن فيه نظر عندي و ذلك أن  
إسناده عند ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 1/39 ) هكذا : حدثنا وكيع عن العمري  
عن نافع عن ابن عمر أنه كان ربما بلغ بالوضوء إبطه في الصيف .
قلت : فهذا إسناد ضعيف من أجل العمري و هذا هو المكبر و اسمه عبد الله بن عمر  
ابن حفص بن عاصم , قال الحافظ نفسه في " التقريب " : ضعيف , و لذلك لم يحسنه في  
" التلخيص " , بل سكت عليه ثم قال عقبه ( ص 32 ) :
رواه أبو عبيد بإسناد أصح من هذا فقال : حدثنا عبد الله بن صالح : حدثنا الليث  
عن محمد بن عجلان عن نافع , و أعجب من هذا أن أبا هريرة يرفعه إلى النبي صلى  
الله عليه وسلم في رواية مسلم .
قلت : عبد الله بن صالح هو كاتب الليث المصري , و هو ضعيف أيضا , أورده الذهبي  
في " الضعفاء " فقال :
قال أحمد : كان متماسكا ثم فسد , و أما ابن معين فكان حسن الرأي فيه , و قال  
أبو حاتم : أرى أن الأحاديث التي أنكرت عليه مما افتعل خالد بن نجيح , و كان  
يصحبه , و لم يكن أبو صالح ممن يكذب , كان رجلا صالحا , و قال النسائي : ليس  
بثقة , و قال الحافظ في " التقريب " :
صدوق كثير الخطأ , ثبت في كتابه , و كانت فيه غفلة .
قلت : فمثله لا يحتج بحديثه لاحتمال أن يكون مما أدخله عليه و افتعله خالد بن  
نجي